ابن قيم الجوزية
36
الوابل الصيب من الكلم الطيب
كربة من كرب الدنيا نفس الله تعالى عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله تعالى حسابه ، ومن أقال نادماً أقال الله تعالى عثرته ، ومن أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله تعالى في ظل عرشه » لأنه لما جعله في ظل الإنظار والصبر ونجاه من حر المطالبة وحرارة تكلف الأداء مع عسرته وعجز نجاه الله تعالى من حر الشمس يوم القيامة إلى ظل العرش . وكذلك الحديث الذي في الترمذي وغيره عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال في خطبته يوماً « يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه ، لا تؤذوا المسلمين ، ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من تتبع عورة أخيه يتبع الله عورته ، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته ، فكما تدين تدان . وكن كيف شئت فإن الله تعالى لك كما تكون أنت ولعباده » . ولما أظهر المنافقون الإسلام وأسروا الكفر وأظهر الله تعالى لهم يوم القيامة نوراً على الصراط وأظهر لهم أنهم يجوزون الصراط وأسر لهم أن يطفئ نورهم ، وأن يحال بينهم وبين الصراط من جنس أعمالهم . وكذلك من يظهر للخلق خلاف ما يعمله الله فيه فإن الله تعالى يظهر له في الدنيا والآخرة أسباب الفلاح والنجاح والفوز ويبطن له خلافها . وفي الحديث « من راءى راءى الله به ، ومن سمع سمع الله به » . والمقصود أن الكريم المتصدق يعطيه الله ما لا يعطي جزاء له من جنس عمله . ذكر الله وفوائده وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « وأمركم أن تذكروا الله تعالى ، فإن مثل ذلك مثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله » فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى وأن لا يزال لهجاً بذكره ، فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر ، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة ، فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه . وإذا